نشأت الحمارنة

23

تاريخ أطباء العيون العرب

وبكلمة أوضح يمكن لنا أن نتصور حادثة حركة سكانية ، من الشرق إلى الغرب في شمال إفريقيا ، بدليل هذه الظواهر اللغوية وهذا التشابه في العقلية ، تعبر عنه قواعد اللغة ، مثلما تعبر عنه الالفاظ . هذه الحركة السكانية جاءت اقدم بكثير ، ولكن في نفس اتجاه القبائل البدوية التي جاءت مع الفتح الاسلامي أو قبائل بني هلال متأخرا . أي أن حركة السكان البدو من قلب الجزيرة ، كانت تسير باتجاه الشمال الشرقي إلى بلاد الرافدين ، وباتجاه الشمال إلى بلاد الشام ، وباتجاه الشمال الغربي إلى شمال إفريقيا . هذه الحركة ، التي انتبه إليها العلماء منذ القديم ، فشبهوا - من أجلها - جزيرة العرب بالكأس التي تمتلئ بالماء ثم تفيض . . هذه الحركة ، كان من شأنها أنها قربت أوجه الشبه بين هذه البلدان الشاسعة الامتداد حضاريا ولغويا ، فسادها من حيث النتيجة شيء من التجانس في تقاليد السكان وثقافتهم وحضارتهم وعقليتهم . هذا التجانس ، هو الذي جعل الفتوحات الفارسية واليونانية قصيرة العمر في هذه البلاد التي اتسمت بسمات خاصة ومتشابهة ، وهو الذي جعل العنصر الفارسي أو العنصر اليوناني غريبا عن مجتمع هذه البلاد ، التي لم يشأ أحد من المؤرخين الأجانب أن يسميها باسم أوضح . وكان أكثر ما تكرم به المؤرخون ان سموا هذه الحضارات « بالسامية » ولم « يغامر » اي واحد منهم فيسميها « بالعربية » . ولا أدري لماذا لم يمض هذا الاتجاه إلى حد تسمية جزيرة العرب « بالجزيرة السامية » ؟ ! ولقد ظلت هذه البلاد « العربية » متقدمة حضاريا - منذ الألف الرابع قبل الميلاد - ولم تذب فيها الحضارة رغم كل تقلبات الزمن .